أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
319
شرح مقامات الحريري
وقال أبو محمد المصريّ يخاطب المعتمد وقد فرّ منه : [ المتقارب ] رحلت وفي قلب جمر الغضى * وهجري لكم دون شكّ صواب كما تهجر النفس حرّ الطعام * إذا ما تساقط فيه الذباب المنايا ولا الدنايا ، أي إتيان المنية ولا فعل الدنية ، قال أوس بن حارثة : ملك المنيّة ولا الدنية ، في وصية طويلة ، والمنية معناها المقدورة المحكوم بها ، وهي مفعولة من المنى وهو المقدّر والقدر ، يقال : منّاك اللّه بما يسرّك ، وأصلها ممنووة فصرفت مفعولة فعيلة ، كمطبوخ وطبيخ ، وأدغمت الياء في الياء . الخنا : الفساد . الجنازة : النعش . * * * ثمّ رفع إليّ طرفه ، وقال : لأمر ما جدع قصير أنفه ، فأخبرته خبر ناقتي السّارحة ، وما عانيته في يومي والبارحة ، فقال : دع الالتفات ، إلى ما فات ، والطّماح إلى ما طاح ، ولا تأس على ما ذهب ، ولو أنّه واد من ذهب ، ولا تستمل من مال عن ريحك ، وأضرم نار تباريحك ، ولو كان ابن بوحك ، أو شقيق روحك ، ثمّ قال : هل لك في أن تقيل ، وتتحامى القال والقيل ؟ فإنّ الأبدان أنضاء تعب ، والهاجرة ذات لهب ، ولن يصقل الخاطر ، وينشّط الفاتر ، كقائلة الهواجر ، وخصوصا في شهري ناجر ، فقلت : ذاك إليك ، وما أريد أن أشقّ عليك ، فافترش التّرب واضطجع ، وأظهر أن قد هجع ، وارتفقت على أن أحرس ، ولا أنعس ، فأخذتني السّنة ؛ إذ زمّت الألسنة ، فلم أفق إلّا واللّيل قد تولّج ، والصّبح قد تبلّج ، ولا السّروجيّ ولا المسرج . * * * قوله : « لأمر ما جدع قصير أنفه » أي ما جدع قصير أنفه إلا لمعنى ، وكذلك أنت ما خرجت في هذا الوقت لشدّة حرّه إلى هذه القفار المخوفة إلّا لمعنى ، فأخبرني به ، فلذلك قال : « فأخبرته خبر ناقتي » ، وأيضا فإنّ أوّل الكلام يدلّ عليه ، لأنه قال : فاستوضحته من أين أثره ، فأخبره السّروجي في الشعر بقصته ، فلما أكملها سأل ابن همام عن قصته ، فأخبره بالناقة الضائعة . والسارحة : التي سرحت ، أي مشت حيث شاءت . عاينته : شاهدته ورأيته . الالتفات : النظر إلى جهة . والطماح : ارتفاع العين بالنظر وطاح : ذهب وتلف . لا تأس : لا تحزن . ولا تستمل : تستدع حبّه وأن يميل إليك بودّه . مال : انحرف . عن ريحك : عن طريقك وهواك . أضرم : أوقد . تباريحك : أحزانك . تقيل : تنام في القائلة تتحامى : تتباعد عنها . أنضاء : جمع نضو وهو المهزول ، أي قد أهزل التعب أبداننا . الهاجرة : القائلة سمّيت هاجرة لأنها تهجر البرد ، أو لأنها أكثر حرّا من